مواهب

وماذا إن صدقت حكايات الخيال ووجدت بائعاً للذكريات! 2010 وخشبة 

 

 

2010 وخشبة

شابٌّ تركه الزمن العتيق لنا ذكرى جميلة في هذا الوقت المليء بالتكنولوجيا، ليوقظ في داخلنا شعور الحنين إلى القلم والورقة، والدفاتر المعتَّقة، المختبئ على أحفافها لمسات ورائحة مَنْ نحبُّ.

 

استوقفتني صفحة على الفيسبوك تُدعى (٢٠١٠ وخشبة) تستعرض دفاتر قديمة بجلد محفور عليه رموز وكلمات خاصَّة بشخصيات معينة، ذات ورق بني اللون تضجُّ به حكايات قديمة، تودُّ الغناء “وقلت بكتبلك…هيك كانوا يولعوا نارن على تلج الوراق”

 

ولمعرفة تفاصيل أكثر عن هذا المشروع تواصلت “مجلة شبابيك” مع الشاب ” صالح القادري ” صاحب مشروع “2010 وخشبة” المختص بتصنيع الدفاتر القديمة وحياكتها بشكل يدوي، بدأ حديثه بكلام يشبه مشروعه الدافئ “أنا محبٌّ للقراءة والكتب، للدفاتر والحبر والأوراق، لكلِّ هذه الأشياء بملمسها ومتعلقاتها وطبيعتها، دائماً ما تثير بي الحماسة لمعرفتها أكثر، أذكر على سبيل المثال عندما كنت طفلاً مزَّقت كتابي المفضَّل فقط لمعرفة كيف صنع بهذا الجمال”.

 

ومن ثمَّ تحدَّث عن بداية مشروعه الذي بدأ  فعلياً بالتزامن مع بداية الحزن السُّوري الكبير، وبسبب ظروف العمل الصعبة كنت أعمل مصور فوتوغراف لمصلحة وزارة السياحة السُّوريَّة، وتوقَّفت عن العمل لفترة، وبعدها بشهور قليلة كان سيصادف يوم ميلاد زوجتي( لم تكن زوجتي بعد) ولأنَّني عادة أفضِّل أن أصنع يدوياً ما أريد أن أهديه عوضاً عن شرائه، جمعت بضعة أوراق محاكة ببعضها وقدَّمته لها، كان الموضوع بدائياً جداً، ورغم ذلك أحبَّته بشدَّة،وكذلك أحبَّه أصدقاؤنا المقرَّبون، ثمَّ أصبحوا يطلبون منِّي صناعة دفاتر مشابهة لمناسباتهم الخاصَّة، ومع الأيام ازددت شغفاً بهذا العمل وصرت أقضي وقتاً طويلاً بالتجربة والخطأ والتعلُّم والقراءة والبحث.

 

 

وتابع “صالح” حديثه: في الحقيقة صناعة الورق القديم والدفاتر المعتَّقة هي مهنةٌ عريقةٌ اندثرت  في العالم العربي، رغم أنَّه في وقت من الأوقات كان هناك مدرسة مهمَّة في حياكة وربط الكتب هنا وقدَّمت الكثير للعالم، ولكن رغم ذلك ما زال في أوروبا صنَّاع كبار يقيمون الورشات التدريبية ويعلِّمون هذه الصنعة بحرفية عالية إلى يومنا هذا، ولكن بالنسبة لي في مرة من المرات وعند الانتهاء من العمل على واحد من الدفاتر التي صنعتها، توقَّفت ونظرت إليه ملياً وقلت في نفسي:

حسناً.. أنا سأفعل هذا لبقية حياتي، هكذا بدأ الأمر ومع السنوات والصبر الممزوج بالشغف وصلت إلى هنا وما زلت أتعلَّم.

 

 

وماذا عن الأدوات والمواد التي تستخدمها:

 

في الحقيقة هناك نقص شديد في أدوات هذه المهنة، لأنَّها ببساطة غير موجودة كمهنة، معظم الأدوات الخاصة طوَّرتها بنفسي من خلال التجربة وبعضها حالفني الحظ بشرائها صدفة، كانت تباع كأنتيكا، كمكبس يدوي وملزمة خشبية مخصَّصتان للورق وجمعه ببعضه البعض.

 

أمَّا بالنسبة للجلود فأنا أستخدم جلد الماعز أو الخراف او الأبقار، حسب طبيعة الغلاف الذي  سأصنعه والتفاصيل التي سأعمل عليها فلكلِّ نوع من الجلد ميزاته الخاصَّة.

أنا لا أستخدم جلد حيوان يُقتَل لأجل جلده هذه نقطة مهمَّة جداً، أستخدم فقط جلود الحيوانات التي تُربَّى وتُسَمَّن ثمَّ تُقتل لأجل الغذاء، ورغم عدم احترامي لهذا أيضاً ولكن تلك هي طبيعة الحال، أحبُّ أن أفكِّر أنَّني بتحويل تلك الجلود إلى شيء يدوم طويلاً إعادة تقدير واعتبار لتلك الحيوانات المهدورة بسبب تفوُّق الجنس البشري المزعوم.

ومن الناحية المعنوية كم هو مهم مشروع 2010 وخشبة بالنسبة لك، وماذا غيَّر في شخصيتك وحياتك؟

 

في بلد عانى من التعب طويلاً وما زال يرزح تحت وطأة أثره، الكثير من الناس تفقد ثقتها ببعضها، لذلك أيضاً بالتحديد نحن نحتاج بعضنا البعض بشكل أكبر، وخصوصاً شخوصنا الأكثر عاطفية، هذا العمل يتيح لي التواصل مع عواطف الناس بشكل مباشر، وكان بالنسبة لي نوعاً من العلاج من أثر هذا التعب،

أنا لا أقيِّم علاقتي بالناس من خلال عملي هذا كعلاقة (بائع – زبون )، وإنَّما هي حقاً علاقة محبَّة ممتلئة بالتفاصيل، عندما يطلب منِّي أحدهم أن أصنع له دفتراً، نحن نتحدَّث طويلاً وبلا حواجز وعوائق وبأشياء لها خصوصيتها وسوية نصل إلى رؤية بخصوص تصميم الدفتر كاملاً.

 

هذا الحديث مهمٌّ جداً بالنسبة لي، ولطالما أثبت لي كم هي ضيقة وغير منصفة هي رؤيتنا الظاهرية للناس وطريقة حكمنا عليهم دون معرفة أعماقهم أو ما يشعرون به … أعتقد بأنَّ هذا العمل جعلني أكثر تقبُّلاً ونضجاً على الصعيد الاجتماعي

ثمَّ عندما أنتهي من العمل نلتقي سوية وجهاً لوجه لأعطيهم النتيجة باليد، في هذا اللقاء وعند اللحظة التي يمسكون بها الدفتر بين أيديهم أراقب انفعالاتهم في أعينهم عندها أشعر أنَّني أقبض الثمن كاملاً ثمن الجهد والوقت والتعب، فردود أفعالهم لطالما سحرتني، أشعر أنَّني تمكَّنت من الولوج الى أعماق قلوبهم لأتجوَّل بها، تلك اللحظات صادقة جداً وممتلئة، أذكر أنَّ بعضهم كان ينهض من مكانه ويعانقني، كان الأمر مخجلاً بعض الشيء وجميلاً بشكلٍ لايصدَّق.

أين تعمل، وماهي المدَّة التي يستهلكها كلُّ دفتر؟

 

أنا أعمل من منزلي، وفي غرفتي الخاصَّة، وبالنسبة للوقت فالموضوع متعلَّق بشكل كامل بالتفاصيل، بعض الدفاتر تتطلَّب مني كعمل فعلي يومين، وبعضها قد استمرُّ في العمل عليه لمدَّة أسبوع ونصف، لكلِّ عمل مرحلة تتكرَّر بكلِّ دفتر، ولكلِّ دفتر أيضاً مرحلته الخاصَّة التي أحبُّ أن أعطيه مساحتها كاملة دون استعجال، حتى ينضج ببطء واكتمال ليليق بقلب صاحبه.

 

صالح ما هو هدفك الأساسي من المشروع؟

 

بالإضافة إلى أنَّه كأيِّ عمل آخر يهدف إلى تأمين متطلَّبات الحياة اليومية، أريد أن أترك أثراً ما في هذا العالم، أعني أنَّني عندما أذهب بعيداً عن العمل في نهاية اليوم أعلم أنَّني أنتجت شيئاً ذا قيمة، شيئاً يمكنني حمله بين يدي، ثمَّ عندما يذهب إلى أصحابه، أعلم أنَّه سيستمرُّ جيلاً على الأقل، إن لم يكن لثلاثة أو أربعة، فأصبح فخوراً بما أفعله، والآن عندي طفل عمره سنة ونصف أريد أن أورِّثه هذه المهنة كأرض ربَّما سيحبُّ أن يقف عليها يوماً ما.

 

ما سبب تسميته 2010 وخشبة؟

 

2010 هي السنة التي التقيت بها بالفتاة التي أحبُّ والتي أصبحت الآن زوجتي، أمَّا الخشبة فهي شيء بيننا أيضاً أحبُّ أن أبقي على خصوصيته.

مشروع بنكهةٍ فيروزيةٍ يأخذك برحلة إلى أيام ساعي البريد، ودفتر الذكريات الذي لطالما خطَّطنا عليه حرف مَنْ نحبُّ، وحرصاً على إخفائه، تدغدغ في داخلك الرغبة بالعودة إلى زمن الحبِّ العذري، وكتابة المذكرات اليوميَّة التي ما عدنا اليوم نكتبها، بل نحفظها بطريقةٍ باردةٍ وجافةٍ عبر مواقع التَّواصل الاجتماعي.

 

إعداد وحوار : رهف عمار

 

اقرأ أيضاً الأفلام الكرتونية القديمة، وسر تعلقنا بها

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى