منوعات

“يزيد جرجوس” رحلة شاقة بين العمل والأدب مليئة بالتجارب والتفاصيل

 

 

 

“يزيد جرجوس” كاتب وباحث في مجالات الفكر السياسي والديني، ورجل أعمال يقدم الكثير من الفعاليات الثقافية، بهدف تنشيط القراءة والكتابة عند فئة الشباب وذلك من خلال مؤسسته التجارية “مؤسسة يزيد جرجوس للتنمية التجارية”.

 

كتب الأستاذ “جرجوس” في عدة صحف محلية كجريدة تشرين من عام ٢٠٠١ إلى ٢٠١٥، وجريدة حمص منذ عام ٢٠٠٩ حتى الآن، بالإضافة إلى موقع سورية الغد ٢٠١٢ إلى ٢٠١٧، وعدة مواقع وجرائد بصورة غير منتظمة، مثل سيريا ديلي نيوز، جريدة العروبة، الديار اللبنانية، وحالياً ينشر مقالات فكر سياسي في رأي اليوم اللندنية.

 

بالإضافة إلى ذلك ينشط “جرجوس” في العمل المجتمعي ويقدم أعمالاً خيرية للجمعيات والجهات الروحية، كما يساهم برعاية ودعم بعض المبادرات الشبابية، مثل حملة تنظيف وطلاء شارع خالد بن الوليد التي قام بها مجموعة من فرق المتطوعين من الشباب بداية صيف ٢٠٢١ مع مؤسسة تطوير البيئية.

 

وفي لقاء خاص لمجلة “شبابيك” مع الأستاذ “يزيد جرجوس” ناقشنا مجموعة من المواضيع بين الاقتصاد والأدب والعمل المجتمعي نطلعكم عليها.

■أهلا وسهلاً بك أستاذ “يزيد جرجوس” في مجلة “شبابيك” لنبدأ الحديث عن الصحافة بين الماضي والحاضر ما الذي اختلف برأيك منذ عام ٢٠٠٠ وحتى الآن ؟

 

▪بداية لا يسعني إلا أن أشكر اهتمامكم، وأثمن الالتفاتة النقية التي تعبر عن توجهكم الوطني.

 

ككاتب أفردت الكثير من وقتي في سبيل البحث وتطوير الأفكار والنظريات الفكرية السياسية والاجتماعية، وقضيت سنوات وأنا أجمع هذا المخزون معنوياً وورقياً أيضاً، لا أستطيع أن أجامل كثيراً في قطاعات الشأن العام كالثقافة والفكر والاجتماع السياسي، فالمجاملة على حساب الحقيقة انحراف.. والانحراف الصغير في الأوساط التجميعية، يؤدي إلى فوالق وتشوهات جسيمة بعد قليل من الوقت.

لذلك يتوجب علي القول بأن الصحافة الرسمية السورية والتي كتبت في درتها تشرين، لعقد من الزمن قبل الحرب، كانت تسير بشكل رشيق نحو التطور والانفتاح واستقطاب الرأي.. لم يحدث أن غيروا لي عنوان مقال أو شطبوا منه جملة، بالوقت الذي كانت جريدة الخليج التي كنت أنشر فيها بنفس الفترة تختصر وتبدل كثيراً .

أما اليوم ومع تراكم تأثير سنوات الحرب بكل ما فيها من معطيات المعاناة والخطر، يبدو أن مساحة التنوع والمناورة في الرأي ضاقت حتى قررت بنفسي أن أتوقف عن الكتابة في تشرين منذ ٢٠١٥

أنا أتفهم أسباب ذلك، لا بل أبحث فيها أيضاً، وأسعى لتقديم الحل والأفضل، آملاً أن تعود الصحافة الرسمية مع عودة الوطن، رويداً رويداً نحو الألق.

أما الهوة التي أحس بها، فلا بد أن وجود الإعلام الإلكتروني الخاص والفردي أحياناً، يجسر منها الكثير.

 

■حدثنا عن مهاراتك الأدبية ومشاركاتك وهل حصدت جوائز مميزة في مسيرتك؟

 

▪لقد تعاطيت مع الأدب منذ البداية، ولأسباب عملية.. تعاطي العاشق الهاوي، لا امتهان المتفرغ المنكب..

فلقد كان ميدان الفكر السياسي، هو الذي يجتذبني إليه بإصرار المعلم والموجه.. هذا منحني مرونة كبيرة في التعاطي مع الشعر أولاً، والذي أقدم له ولاء الطاعة وكأنه سيد اللغة وحاكم مستواها.. فكتبت الكثير من الشعر، وخاصة في الحرب، ولكني لم ولن أقدم نفسي كشاعر، من باب الواقعية أولاً، ومن نافذة الحرص واستثمار الوقت والجهد ثانياً.. فلا أنا قادر على مقارعة وسط فيه شعراء أمثال حسن بعيتي ومحمد علي الخضور، وهما ومعهم عدد من الشعراء يتألقون يوما بعد يوم في صياغة لغة شعرية جديدة وعالية في سوريا والعالم العربي، ولا أنا مستعد لتبديد الإمكانات التي منحتني إياها الحياة من وقت ومقدرات، في الإصرار على خوض كل التجارب، ونزال كل التحديات، وأنا أساساً أفعل من هذا الكثير.. فكان من الحكمة لي أن أوجه الطاقة التي أملكها لاستثمارها الأمثل، ومنه مثلا إنجاز عدد من القصص القصيرة، والتي كتبتها كلها خلال سنوات الحرب، ومن وحي لهيبها وآثاره المتعبة للناس وللبلد.. منها كتاب جاهز للطباعة حاليا بعنوان “دمعة وشمعتان”. ومجموعة أخرى قيد الاستكمال بعنوان “أحلام”.

أعمل أيضا على نص روائي تحت عنوان “نصف الحقيقة” أعتقد أنه سيأخذ وقتا ليس بالقصير ليبصر نور القراءة.

 

■بماذا تختلف تجربتك في المجال السياسي والديني بين العرب والغرب، كونك كنت على احتكاك مع الاثنين؟

 

▪لقد كانت العلاقة مع الغرب محط اهتمامي منذ بداية وعيي الإنساني والسياسي، فأنا ابن رجل درس في بريطانيا، وقد نشأت على مقارناته اليومية لسلوكنا نحن العرب مع سلوكيات البريطانيين، من خلال قصص وأمثلة عاشها هو، وظل يربينا على مفرداتها.. تلك القراءات النقدية من رجل عروبي بامتياز، وضعتني أمام شغف الاهتمام والسعي للمعرفة في مجالات العلوم السياسية والتاريخ، منطلقاً من حاجتنا الملحة كعرب، للخوض في غمار كل ذلك، على وقع الأزمات والحروب التي نعيشها منذ عقود، وتبدو بصمات العالم الغربي فيها واضحة، لا تدع مجالاً للاستسلام، لنموذج علاقة التبعية المنقادة لمفاهيم وقيم وأطر، كان قد وضعها لنا هذا الغرب، وسعى بحماسة لتكريسها فينا.. ويبدو أنه نجح إلى حد كبير..

أقدم اجتهاداً جدياً في هذا السياق ليس فقط من خلال عشرات المقالات السياسية والفكرية، ولكن من خلال كتابٍ قيد التنقيح واستكمال التوسع “حروب اللاوعي” والذي يعالج دور القوى الغربية في ظاهرة الإرهاب في العالم وفي مجتمعاتنا تحديداً، متعاطياً بدقة وبأسلوب علمي مع ظاهرة التطرف الديني بشكله العام، والإسلامي بشكله الخاص، كمشروع سياسي غربي، يهدف لصناعة “الإرهاب”.

 

طبعا أنا عشت سنوات مع غربيين في الخليج، ولست ممن يصدرون الأحكام المطلقة، ويؤطرون الشعوب وتجاربها الحضارية بشكل معلب ضمن أحكام سلبية كانت أم إيجابية مسبقة، ولكني أفضل التعاطي العلمي الإنساني النقدي فيما يخصنا وفيما يخص الآخرين أيضاً، فالإنسانية كلٌّ صحيح لا يتجزأ.

■أكثر مقولة أو عبارة تؤمن بها، أو كانت نقطة تحول في حياتك؟

 

هذا السؤال محبب جداً لدي، وهو بشقين..

– مقولة.. كوني إنسان متنوع التجربة والاهتمامات، فلدي ميل ليس لتبني، ولكن للسعي لفهم وللتأمل والافادة من عدد من المقولات.. مثل :

“إذا كرهت شخصاً، فقد هزمك.”

كونفوشيوس

“ومن البلية عذل من لا يرعوي وخطاب من لا يفهم”

المتنبي

وأيضا قول المتنبي

“لولا المشقة ساد الناس كلهم

الجود يفقر والإقدام قتالُ”

وتلهمني كثيرا مقولة الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا

“لكثرة معاودتي ترتيب ذاتي، تهدمت”.

كما أنني كتبت منذ بضعة أيام ضمن اجتهادي اليومي في تقديم مقولة فكرية.. “لطالما ردَّدتُ قول الإمام ” لو كان الفقر رجلاً لقتلته”، ويقيني أن الفقر أضعف من رجل، لو اجتمع عليه عدد كافٍ من الرجال فيصرعونه”.

بالمناسبة لدي كتاب فكري أيضا قيد الطباعة بعنوان “مصابيح وظلال” هو تجميع لمقولات كتبتها خلال سنوات.

 

– التحول.. أنا شخص يؤمن بالبناء والتراكم، فلن تجدي في حياتي لحظات تحول، ولكن خطوات متتالية في اتجاه المعرفة والإنجاز.

ولكني أستطيع أن أتذكر لحظة ساهمت كثيرا في تقديم دفعة معنوية كبيرة لأسلوبي ذلك، ورسختني به ربما.. وهي لحظة وصول السباح السوري البطل والصديق الغالي فراس معلا، لساحل اللاذقية سباحة لمدة تجاوزت ٣٦ ساعة من قبرص، مجتازا مسافة أكثر من ١١٠ كم.. كانت لحظة تصغر أمامها كل الجهود والتعب، وقد اختصرها البطل يومها في أول جملة قالها بعد الوصول “أردت أن أثبت أنه بالإصرار والعزيمة، تبقى سوريا عظيمة”.

 

■ولنذهب الآن إلى عالم الاقتصاد، كيف تم تأسيس مؤسسة يزيد جرجوس للتنمية التجارية وما هي مجالاتها؟

 

▪بدأت أولى خطواتي الجدية في عالم الأعمال بعمر عشرين سنة، عندما كنت طالباً في كلية الطب البيطري، وافتتحت أول نشاط تجاري في مدينة حمص وهو مطعم وجبات سريعة.. لاحقا وخلال العقود التي تلت ذلك، توسعت للعمل في مجال مواد البناء والمواد الطبية.

تجربتي في مجال الأعمال في بلدنا، تقول أنه وبرغم الصعوبات الكثيرة على صعيد الضعف في تواجد الكوادر الإدارية والخبرات الوسطى، في مجتمعنا على ضفتي المؤسسات الحكومية وسوق العمل، حيث تواجه الأعمال صعوبة في تفهم الرسميين لشؤون العمل والتراخيص والضرائب الخ، أيضا تعاني على صعيد إيجاد اليد العاملة المؤهلة والجدية في رغبة التعلم والارتقاء في العمل خطوة خطوة.. ولكن يبقى الشعار الأكثر صلاحية.. “لكل مجتهد نصيب”.

 

 

■نشاهدك راعي للفعاليات الثقافية والأدبية، ماذا يحقق لك هذا الشيء على الصعيد الشخصي والروحي؟

 

▪إجابتي على هذا السؤال مختصرة، برغم أنها واسعة جدا.. أنا أعمل على تحقيق ذاتي.

إنه أمر يتعلق بقراءتي لواجبي تجاه الحياة والناس والوطن.. أعتقد بأنني موجود لأقوم بواجب، وليس لأعيش فقط.

 

■برأيك كيف يمكن أن نعزز حالياً من فكرة دعم الشباب وتنشيط مشاريعهم الصغيرة من وجهة نظر رجل أعمال؟

 

▪البلد اليوم بحاجة للكثير لنقوم به، ولكنه ليس صعباً أبداً في حال توفرت الإرادة والرغبة في السير إلى الأمام عند شريحة كافية من السوريين.. فلا تكفي قيادة بلد.. أي بلد.. للقيام بواجبات النهوض، ولكن الاستجابة النوعية وانخراط المهتمين والمدركين، تشكل الشرط الأهم..

تبدو الصورة مبهمة أو معقدة بهذا الشكل، ولكنني لتبسيطها أستطيع أن أقول، يجب البدء مباشرة وبأي شيء.. إن أي خطوة وفي أي نقطة من هذه الحلقة الكبيرة من الترهل والتعب والعجز الظاهر في الصورة، ستكون مفيدة، وستشكل تحولاً صغيراً نحو الأفضل ليبنى عليه.. وهنا أصل إلى لب المسألة ومربط الفرس فيها.. السوريون يحتاجون، وبالأخص جيل الشباب منهم، إلى تمثل فكرة السير والبناء والصعود، وتحقيق النهضة والمشاريع الكبيرة.. لا يتم إلا خطوة خطوة، وعلى طريق طويل.. المهام السريعة التي توهمنا بها لغة الميديا والعصر، غير فعالة، ولن تنتج بيوم من الأيام إلا طفرات ضعيفة وعابرة.. أما الانجازات الثابتة فتؤخذ من سنوات الاجتهاد والتراكم.

 

■أعمالكم الإنسانية جعلت البعض يراكم جمعية خيرية هل يزعجك هذا الشيء أو يؤثر على عملك التجاري؟

 

▪هذا سؤال جميل أيضاً، ويلامس واقعي كثيراً .. بالفعل ينظر الكثيرون لنا كمؤسسة تجارية وكأننا “جمعية خيرية”.. هذا وإن كان يثير جمال قراءة الناس لجهدنا ومحاولاتنا لتقديم الدعم والرعاية هنا وهناك، ولكنه بطريقة أو بأخرى، وكأنه يسرق شيئاً من تعبنا.. فنحن نقدم بعضاً من جهدنا وأرباحنا في سبيل المجتمع، بينما الجهات الاجتماعية تنظم تقديم أموال وتبرعات الآخرين.

من جانب آخر فإن الكثيرين من الزبائن المفترضين، ونتيجة سوء الفهم ذلك، وعند رغبتهم بشراء منتج ما من منتجاتنا لا يتوجهون إلينا، ظنا منهم أننا لسنا تجاراً.

 

 

■كلمة ختامية من حضرتك؟

 

▪إن الواقع الصعب جدا الذي يعيشه الشعب السوري، وبرغم قساوته التي أغلقت مجال الرؤية أمام معظم الناس، ولكنه كما كان الراحل حافظ الأسد يقول “لا شيء يدوم أكثر من مؤقت”.. فهو سيزول، وسيصبح في سلة الذكريات والدروس.. ولكنه حتى يزول بوقت ليس بالبعيد علينا جميعا أن نعمل.. لأن الأمل سيبقى دائما بالعمل، وهذا ليس شعارا انتخابياً، ولكنه قانون حضاري.

كل الشكر.

 

إعداد وحوار : رهف عمار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى