«مقهى الدراويش» في طرطوس… حكايات جيل سوري بين أحلام الرحيل ووجع البقاء

من حماة إلى مصياف، وصولاً إلى طرطوس، تواصل مسرحية «مقهى الدراويش» رحلتها بين المدن السورية، حاملةً على خشبة المسرح حكايات سبع شخصيات تتقاطع مصائرها في مكان صغير، وتفترق عند أسئلة كبيرة عن الوطن والهوية والحب والهجرة، في تجربة مسرحية تمتزج فيها الموسيقى بالدراما، وتستعيد شيئاً من التحولات التي عاشها السوريون خلال سنوات الحرب وما أعقبها.
وشهد المركز الثقافي في طرطوس، مساء الاثنين 2 تشرين الثاني، العرض الثالث للمسرحية، بعد عرضها الأول في حماة ضمن فعاليات مهرجان سوريا المسرحي 2026 – مهرجان حماة الفرعي، الذي نالت فيه الممثلة زهراء قصاب جائزة أفضل تمثيل عن شخصية «باسكال»، وعرضها الثاني في المركز الثقافي بمدينة مصياف.
العمل مأخوذ عن كتاب «خمارة الدراويش» للكاتبين بانه خضور ومصعب الشيخ علي، ومن إعداد وإخراج علي عبد الحميد، وتدور أحداثه في مقهى صغير تفتتحه الشابة باسكال بمساعدة صديقتها سيما، في محاولة لصناعة مساحة للعمل والحياة وسط الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. غير أن المقهى سرعان ما يتحول إلى ملتقى لشخصيات تختلف في أعمارها وأحلامها وخياراتها، يجمعها المكان وتفرقها المصائر، فيما تتحول الأغنيات إلى لغة أخرى للبوح بما تعجز الشخصيات عن التعبير عنه في حواراتها اليومية.
من حماة إلى مصياف، وصولاً إلى طرطوس، تواصل مسرحية «مقهى الدراويش» رحلتها بين المدن السورية، حاملةً على خشبة المسرح حكايات سبع شخصيات تتقاطع مصائرها في مكان صغير، وتفترق الدراويش حكايات صغيرة في ظل حرب كبيرة

لا تتناول المسرحية الحرب السورية من خلال المعارك والأحداث السياسية المباشرة، بل تنظر إلى آثارها في حياة الأفراد وعلاقاتهم، وفي تلك القرارات التي يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى اتخاذها حين تضيق أمامه إمكانات المستقبل. وبين الرغبة في المغادرة والخوف من فقدان الجذور، تتشكل حكايات الشخصيات الست، التي لا تبدو واحدة منها أقل حضوراً أو أهمية من الأخرى.
يرى المخرج علي عبد الحميد أن العمل يتناول معاناة الشباب في زمن الحرب، موضحاً أن القرية الافتراضية التي تدور فيها الأحداث لم تشهد بالضرورة صراعات مباشرة، لكنها تأثرت بتداعيات الحرب التي فرّقت كثيرين عن أحبائهم وأسرهم وأصدقائهم. ويشير إلى أن جوهر الحكاية يتجسد بصورة خاصة في شخصيتين ترفضان الرحيل: باسكال، التي يرى فيها صورة رمزية لسوريا، وأبو زياد، الذي يمثل جيلاً أنهكته سنوات الفقد والحرمان، لكنه بقي متمسكاً بجذوره في الأرض.
اقرأ أيضاً عمر ميقاتي المسرح لا يموت والحرب لا تزال تعيش في القصص على مسارح بيروت

تجسد زهراء قصاب شخصية «باسكال»، الشابة التي تتمسك بالمقهى بوصفه أكثر من مشروع صغير لتأمين لقمة العيش؛ فهو المكان الذي تحاول فيه الحفاظ على العلاقات والذكريات، فيما تتبدل حياة أصدقائها من حولها. وعن علاقتها بالشخصية تقول قصاب: «باسكال في داخلي هي ذلك الصوت الذي يرفض الاستسلام للخراب، وهي الرغبة العارمة في جمع الشتات وصناعة واحة دافئة في زمن الصقيع والفرقة».
وتوضح أن التحدي الأكبر في أداء الدور تمثل في تجسيد التحول النفسي بين عالم الأحلام المفتوحة وعالم الخيبات والواقع القاسي، منذ عام 2011 وحتى الوقت الراهن، مشيرة إلى أن الشخصية جعلتها تعيد النظر في مفاهيم الوطن والغربة والصداقة، وأنها وجدت في حيرتها وأسئلتها الوجودية ما يشبه تجربتها الشخصية وتجربة جيل كامل.
وعلى مقربة من باسكال تقف «سيما»، التي تؤدي دورها ليلى محمد، بشخصيتها المرحة والمفعمة بالموسيقى والحيوية، رغم القلق الذي تخفيه بشأن مستقبلها. تحلم سيما بالسفر، وتسعى إلى تطوير نفسها واغتنام الفرص المتاحة، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بأصدقائها والمكان الذي عاشت فيه.
وتقول ليلى محمد إن سيما «مو مجرد صبية سورية بتحلم بالسفر وبتدور على فرصة لحياة أفضل»، بل تشبه جيلاً كاملاً عاش الصراع بين طموحاته الشخصية وتعلقه بأماكنه وذكرياته. وتضيف أن ما يميز المسرحية بالنسبة إليها أنها «ما بتحكي عن الحرب السورية من خلال الأحداث الكبيرة والمباشرة، وإنما من خلال تفاصيل الحياة اليومية لشباب عاديين، عندهن أحلام وعلاقات ومشاريع صغيرة، وبيحاولوا يتمسكوا بالحياة رغم كل شي».
أما «بلال»، الذي يؤديه وسام عباس، فيدخل الحكاية حاملاً إرث عائلته ومكانتها الاجتماعية، محاولاً فرض حضوره من خلال اسم جده المختار، قبل أن يواجه حقيقة عجزه عن بناء إنجاز شخصي مستقل. وبين غروره الظاهر وميوله الفنية، تتكشف تدريجياً شخصية شاب يبحث عن ذاته، وينتهي به الأمر إلى اختيار السفر أملاً في العودة يوماً وقد صنع لنفسه اسماً لا يستمد قيمته من تاريخ عائلته.
ويصف عباس أداء شخصية بلال بأنه تحدٍّ فني بسبب تقلباتها النفسية وتناقضاتها، مؤكداً أن لحظة التحول الأساسية في مسارها تأتي عندما يدرك بلال أن «كل مجد بناه بناء على اسم عائلته لا قيمة له، أمام ما يصنعه الآخرون من رفاقه بجدهم وتعبهم». ويعبّر عباس، في سياق حديثه عن التجربة، عن أمله في أن يحظى المسرح والموسيقى بدعم أكبر من وزارة الثقافة، ولو على المستوى المعنوي، بما يساعد الفنانين على الاستمرار والإبداع.
ومن خلال شخصية «الدكتور جوزيف»، يقدم حسن محمد وجهاً آخر للرحيل، فالشاب الذي انتقل مع عائلته من دمشق هرباً من الحرب، يجد في المقهى مساحة للألفة، وفي باسكال سبباً جديداً للتعلق بالمكان. لكن الحب لا يستطيع وحده أن يحسم صراعه مع المستقبل، فيعرض عليها الزواج والسفر معاً، قبل أن تتباعد خياراتهما.
ويشير حسن محمد إلى أن أهمية جوزيف لا تكمن في مهنته طبيباً فحسب، وإنما في قلمه وقدرته على التعبير عن مشاعره بالكتابة، إذ تتكشف خلال الأحداث علاقته بالأغنيات التي ترافق العرض. ويقول: «جوزيف كان عم يدور على سبب حتى يبقى، بس وصل فيه الحال لحتى يحلم إنه ياخد هاد السبب ويسافر معه»، مضيفاً أن قوة الشخصية تتجلى حتى بعد غيابها، عندما يُكتشف أنها صاحبة كلمات الأغنيات، في مفارقة يختصرها بقوله: «هيك الكاتب دائماً، نجمه بيلمع بعد ما هو يختفي».
وتأخذ شخصية «الدكتور هاني»، التي يؤديها حيدر زيادة، الحكاية إلى جانب أكثر قسوة. فهو الطبيب الذي نشأ في قريته وأحب أهلها، وقدم لهم من وقته وعمله ما استطاع، قبل أن يفقد أسرته بفعل الوباء ويصطدم بخذلان المحيط الذي طالما عدّه عائلته الكبيرة، ليصل أخيراً إلى قرار الرحيل عن الأماكن التي منحها سنوات عمره ومحبته.
ويصف زيادة الشخصية بأنها «متعبة جداً وصادقة، وبتلامس الواقع بشكل مباشر»، معتبراً أنها تمثل شريحة واسعة من الشباب الطموحين الذين عاشوا الخسارة والتهميش، وبقيت أصواتهم بعيدة عن السماع. ويؤكد أن تقديم هذه الشخصية كان محاولة لإضاءة وجعها وإيصاله إلى الناس، لا بوصفه مأساة فردية فحسب، وإنما تجربة تتكرر في حياة كثيرين.
ثلاثون عاماً من الغياب… وعودة إلى الخشبة
وفي مقابل الشخصيات الشابة التي تتطلع إلى الرحيل، يحضر «أبو زياد» بوصفه صورة لجيل آخر، لا ينتظر من المستقبل سوى فرصة لسماع أصوات أبنائه الذين هاجروا إلى ألمانيا، تاركين خلفهم أباً وحيداً يتمسك بأرضه وذكرياته. يؤدي الشخصية الممثل حسين الحلو، الذي يعود من خلالها إلى خشبة المسرح بعد انقطاع استمر أكثر من ثلاثين عاماً.
ويقول الحلو إن أبا زياد يمثل الإنسان البسيط الطيب الذي يعيش على أمل لقاء أبنائه، أو مجرد سماع أصواتهم مرة أخرى، مؤكداً أن قوة الشخصية لا تكمن في كثرة حواراتها، بل فيما تخفيه وراء صمتها، إذ «إن التعبير الذي يقف خلف صمته أقوى من ذلك بكثير، فصمته يمثل الروح المكسورة والقلب الذي يحمل الغصة».
وعن خصوصية التجربة التي أعادته إلى المسرح بعد هذا الغياب الطويل، يصف الحلو العرض بأنه «السهل الممتنع»، مشيراً إلى أن أغنياته تلامس الواقع وتؤدي وظيفة مرتبطة بالقضايا التي يطرحها، وتصل إلى المتلقي بصورة محببة تتجاوز الفوارق العمرية بين الصغار والكبار.
حين تصبح الأغنية جزءاً من الحكاية
تحضر الموسيقى في «مقهى الدراويش» بوصفها جزءاً من البناء الدرامي، لا مجرد فواصل غنائية تتخلل المشاهد. فالشخصيات تغني حين تضيق اللغة العادية عن التعبير عن مشاعرها، وتتحول الأغنيات إلى امتداد لحكايات الحب والفقد والانتظار والرحيل.
وفي حديثه عن اختياره الفني، يوضح المخرج علي عبد الحميد أن «العرض لا ينتمي إلى المسرح الغنائي حرفياً، ولكن وجود الأغاني فيه للضرورة الدرامية»، مشيراً إلى إمكان العثور على تقاطعات بين هذه التجربة ومسرح الرحابنة، وبعض الأعمال المسرحية لمحمد الماغوط ودريد لحام التي اعتمدت على الغناء ضمن سياقها الدرامي.
ويؤكد عبد الحميد أنه أراد من خلال هذا العمل خوض تجربة مختلفة عن الأنماط المسرحية التي اعتاد الاشتغال عليها، لافتاً إلى تحدٍّ خاص واجهه في الإخراج، يتمثل في أن خمسة من المشاركين في العمل هم في الأصل مغنون، وأن الانتقال من الغناء إلى التمثيل ليس مهمة سهلة. لكنه يرى أن تعلقهم بالنص وحماسهم للتجربة أسهما في بناء شخصياتهم المسرحية ومنحها حضورها على الخشبة.
ولا يفصل المخرج بين هذه التجربة الفنية ورحلة الفريق بين المدن السورية، إذ يشبّه انتقالهم من مكان إلى آخر بترحال الغجر الذين يحملون ألوانهم وحكاياتهم إلى أناس جدد، على أمل أن يتركوا أثراً جميلاً قبل مواصلة الطريق. ويكتسب عرض طرطوس بالنسبة إليه خصوصية شخصية، إذ يصف مركزها الثقافي بأنه «المكان الذي يتذكرني وأتذكره جيداً».
وبين باسكال التي تتمسك بالمقهى، وأبي زياد الذي ينتظر أبناءه، وسيما وبلال وجوزيف وهاني الذين تتباين دوافعهم نحو الرحيل، تطرح المسرحية سؤالاً يتجاوز مصائر شخصياتها: ماذا يبقى من المكان حين يغادره الذين صنعوا ذاكرته، وماذا يحمل الراحلون معهم من الأماكن التي تركوها؟
وبعد محطاتها الثلاث في حماة ومصياف وطرطوس، يتطلع فريق «مقهى الدراويش» إلى مواصلة تقديم العمل في محافظات سورية أخرى، حاملاً معه حكاية المكان الذي جمع أصحابه يوماً، قبل أن تدفعهم الحياة إلى طرق مختلفة، وتترك لمن بقوا مهمة حفظ الذاكرة وانتظار العائدين.



