مقالات رأي

في الحقيقية انتصارنا الوحيد في هذه الحياة الذاكرة!

 

نهشَتنا تلك التي تدّعي بأنها أنثى جميلة وتطلق على نفسها لقب الحياة، نهشَتنا من الأكتاف حتى أخمص القدمين، ولحسن الحظِّ أنها تنفر من روائح الذكريات، فتركَتها لنا نشقى ونتألم ونسعد بها.

 

رغم أنني قطعت عقداً من الزمن على المرحلة الثانوية إلّا أنني لم أنسَ يوماً، الجلوس الطويل في المقعد المدرسي يخلفه تذمّر كبير، متى يدقُّ جرس الفرج، كانت تلك الأيّام ثقيلة على قلوبنا الهشّة، بصوت المعلمات وصراخهم، والتوبيخات المتكرّرة من المارة في الشارع والضيوف العابرين ومن لا شأن لهم بنا، ولكن الأمل الذي كنّا ننتظره أن يطلق العنان لأحلامنا الجامعية في آخر السنة كان يواسي مللنا.

 

تحايلتُ اليوم على دمعتي لحجرها في عيوني، كي لا تبلل الورق بينما أكتب هذه السطور، وأتذكّر يوم كنّا نُحشَر في المقعد الخشبي ورائحة سندويشة اللبنة الجافّة من درجه، تعبق بأنوفنا بلذّة الجائع، نرمي بالقلم تحت المقعد ونأخذ لقمة منها دون علم الأستاذ، ويوم جلسنا في الباحة مجموعات صغيرة نتحدّث ونتكلم ونركض لرشِّ بعضنا البعض بالماء، ونضحك بصدق، حيث لم يخبرنا أحد في تلك الأيّام أنَّ الضحكات لن تخرج من قلوبنا بعد الآن، لم يشجعنا أحد على الضحك فقد كنا مجتهدين به دون توصيات، وكأن القدر يعلم أنَّ بعد تلك المرحلة ستكون الحياة معنا أكثر جدّية وسيصبح الضحك مجرّد تمرين رياضي مصطنع نمارسه أمام الحياة وعابريها.

 

أتذكّر يوم كنَّا نتمشّى في باحة المدرسة الواسعة، مجموعة من الفتيات المزهوات بعلامات الأنوثة التي بدأت تظهر علينا، نداعب خصلات شعرنا الطويل ونخبّئ عيوننا من مغازلة الشمس لها، ليقطع علينا المشهد صوت الموجهة: “إلى الصف بسرعة يا قليلات الأدب!”.

قليلات أدبٍ وما ارتكبنا ذنباً إلّا أننا نكبر بمرور الأيّام وغداً لن نكون موجودين معكم، فلماذا كل هذه القسوة علينا؟.

 

لكن ليس مهم فبالطبع لم يخلو الأمر من مدرِّسة مميزة تشجّعنا وتحفّزنا لقطع هذه المرحلة، وتذكيرنا أنّها ستكون أجمل أيّامنا في الجحيم القادم، لعلّها عبرت هذا الجسر من الحنين وتريدنا أن نوثِّق كل لحظة به.

لنفكّر بكلامها كثيراً في ليالي سهراتنا الوحيدة، مع أغانٍ محدّدة كانت موجودة في جوّالاتنا جميعاً، تقاسمنا حتى أذواقنا الموسيقية، لهذه الدرجة وأكثر لم نعرف الخبث، فجدران غرفنا تشهد أننا سمعنا “كذبك حلو شو حلو لما كنت شي كذبة بحياتك، تملّي معاك معك قلبي يا أغلى حبيب، ع ورق الورد رسمت الوعد” بذات التوقيت، بذات المخيّلة، بذات الأحلام ولربّما ذات الشاب الوسيم، هنا أيقنت أنَّ عليَّ تذكّرهم قبل النوم برنّة من جوال النوكيا البسيط الذي لم يحمل في جعبته أكثر من ١٠ وحدات، ومن لا تردُّ على الرنّة سأعاتبها في الصباح عند اجتماعنا في الباحة.

استيقظت في اليوم التالي أجري نحو مدرستي واليوم معتاد ذاته يتكرر، مع الأصدقاء والمدرِّسين، إلّا أن هذا اليوم في منتصفه كان بداية لعقاب على حياة أخرى لا نعلم عنها شيء، عقاب لأخطاء لم نرتكبها، سارعوا بإرسالنا لمنازلنا مع التشديد بعدم اللّهو هنا وهناك.

سمعنا صوت تفجير قويّ هزَّ براءتنا وسلب ما تبقّى من طفولتنا لنصبح بعدها نساء ورجال وشهداء وجرحى.

 

تركت القلم ومزّقت الورق وضممت نفسي وأشلاء ذكرياتي وبقيت في حصّة الرياضيات، حينها فقط أعلنت إيقاف ذاكرة الوقت، فكلّ شيء بعد هذا اليوم لا يعنيني، ولست مسؤولة عنه ولم أدوّنه ولا أودُّ تذكُّر أي تفصيل عنه.

الآن وبعد مرور كل تلك السنوات، أتمنى أن أقول للمعلّمين وأصدقائي أنّهم انتصاري الوحيد!

ليتهم يدركون جميعاً أنّهم اليوم من أجمل ذكرياتي وأصدقها ولم يأتِ مثلهم أحد، وكأنَّ التاريخ كتب هذه المرحلة بقلم من مرجان، لتعيش معنا مئات السنين دون تلف.

رهف عمار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى